فصل: من فوائد الشعراوي في الآية:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.من فوائد الشعراوي في الآية:

قال رحمه الله:
{وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ}.
وعندما نسمع قول الله: {ولا يحسبن} فهو نهي، وقد نهى الله الكافرين عن ماذا؟ إن الكافر عندما يجد نفسه قد أفلت في المعركة من سيف المؤمنين وأن عمره قد طال في الكفر، فهو يظن أن الحق سبحانه وتعالى تركه لخير له؛ لأنه يفهم أن عمره هو أثمن شيء عنده، فما دام قد حوفظ له على عمره فهو الخير. نقول لمثل هذا الكافر: إن العمر زمن، والزمن وعاء الأحداث، إذن فالزمن لذاته لا يُمَجد إلا بالحدث الذي يقع فيه، فإن كان الحدث الذي يقع في الزمن خيرًا؛ فالزمن خير. وإن كان الحدث الذي يقع في الزمن شرًا، فالزمن شر وما دام هؤلاء كافرين، فلابد أن كل حركاتهم في الوجود والأحداث التي يقومون بها هي من جنس الشر لا من جنس الخير، لأنهم يسيرون على غير منهج الله. وربما كانوا على منهج المضادة والمضارة لمنهج الله.
وذلك هو الشر. إذن فالله لا يملي لهم بقصد الخير، إنما يملي الله لهم لأنهم ما داموا على الكفر فهم يشغلون أوقات أعمارهم بأحداث شرّية تخالف منهج الله. وكل حدث شرّى له عذابه وجزاؤه. إذن، فإطالة العمر لهم شر.
والحق سبحانه يقول: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ} و{يحسَبَنَّ} هي فعل مضارع، والماضي بالنسبة له هو حسِب- بكسر السين- ولذلك قال الحق سبحانه في موقع آخر من القرآن الكريم: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} [العنكبوت: 2].
إن الماضي هو {حَسِبَ}- بكسر السين- والمضارع يحسَب- بفتح السين-. أما حَسَبَ يحسِب- بكسر السين- في المضارع وفتحها في الماضي فهي من الحساب والعدد، وهو عدد رقمي مضبوط.
أمر حَسِبَ ويحسَب فتأتي بمعنى الظن، والظن كما نعرف أمر وهمي، والحق سبحانه يذكرهم أن ظنونهم بأن بقاء حياتهم هو خير لهم ليست حقًا. بل هي حدس وتخمين لا يرقى إلى اليقين.
صحيح أن العمر محسوب بالسنوات؛ لأن العمر طرف للأحداث، والعمر بذاته- مجردًا عن الأحداث- لا يقال إن إطالته خير أو شر، وإنما يقال: إن العمر خير أو شر بالأحداث التي وقعت فيه، والأحداث التي تقع من الكافر تقع على غير منهج إيماني فلابد أن تكون شرًا، حتى ولو فعل ما ظاهره أنه خير فإنه يفعله مضارة لمنهج الله. فلو كانت المسألة بالعملية الرقمية؛ لقلنا: حسَب ويحسِب- بفتح السين في الماضي وكسر السين في المضارع- لكن هي مسألة وهمية ظنية؛ لذلك نقول يحسَب- بفتح السين في المضارع- أي يظن.
وهو سبحانه يقول: {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ} ما الإملاء؟ الإملاء هو تمديد الوقت وإطالته. ولذلك نجد في القرآن: {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي ياإِبْرَاهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} [مريم: 46].
إنه يأمر سيدنا إبراهيم أن يهجره مدة طويلة. هذا هو معنى {وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا}.
والمقصود هنا أن إطالة أعمارهم بعد أن أفلتوا من سيوف المؤمنين. ليست خيرًا لهم ولا يصح أن يظنوا أنها خير لهم، لأن الله إنما يملي لهم؛ {لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} وهنا نجد لام العاقبة.
وإياك أن تقول أيها المؤمن: إن الله قد فعل ذلك ليعاقبهم. لا؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد وضع سننه في الكون ويطبقها على من يخرج على منهجه، فمن يصنع إثما يعاقبه الله عليه {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا} فكل ظرف من الزمن يمر عليهم يصنعون فيه أعمالًا آثمة على غير المنهج.
{وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} وتأتي كلمة {مهين} وصفًا للعذاب مناسبة تمامًا؛ لأن الكافر قد يخرج من المعركة وقد تملكه الزهو والعجب بأن أحدًا لم يستطع أن يقطع رقبته بالسيف، ويتيه بالعزة الآثمة، لذلك فالإيلام هنا لا يكفي، لأنه قد يكتم الألم ويتجلد عليه، ولكن العذاب عندما يكون مهينًا فهو العقاب المناسب لمثل هذا الموقف. والمتكلم هنا هو الله، وسبحانه العليم بالمناسب لكل حال.
ومن بعد ذلك يقول الحق: {مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ...}. اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

قال ابن عادل:
قرأ الجمهور {يحسبن} بالغيبة، وحمزة بالخطاب، وحكى الزّجّاج عن خلق كثير كقراءة حمزة إلا أنهم كسروا {أنما} ونصبوا {خير} وأنكرها ابن مجاهدٍ- وسيأتي أيضاح ذلك- وقرأ يحيى بن وثاب بالغيبة وكسر {إنما}. وحكى عنه الزمخشري- أيضا- أنه قرأ بكسر {أنما} الأولى وفتح الثانية مع الغيبة، فهذه خَمْسُ قراءاتٍ.
فأما قراءة الجمهور، فتخريجها واضح، وهو أنه يجوز أن يكون الفعل مسندًا إلى {الذين} و{أن} وما اتصل بها سادَّة مسد المفعولين- عند سيبويه- أو مسدَّ أحدهما، والآخر محذوف عند الأخفش- ويجوز أن يكون مسندًا إلى ضمير غائب، يراد به النبي صلى الله عليه وسلم أي لا يحسبن النبي صلى الله عليه وسلم. فعلى هذا أن يكون {الذين كفروا} مفعولًا أول، وأما الثاني فسيأتي الكلام عليه في قراءة حمزة، لتتحد هذه القراءة- على هذا الوجه- مع قراءة حمزة رحمه الله، وسيأتي تخريجها.
وما يجوز أن تكون موصولة اسمية، فيكون العائد محذوفًا، لاستكمال الشروط، أي: الذي نمليه ويجوز أن تكون مصدرية- أي: إملاءنا- وهي اسم إن وخير خبرها.
قال أبو البقاء: ولا يجوز أن تكون كافةً، وزائدة؛ إذ لو كان كذلك لانتصب {خير} بـ {نملي} واحتاجت أن إلى خبر، إذا كانت ما زائدة، أو قدر الفعل يليها، وكلاهما ممتنع. انتهى. وهي من الواضحات. وكتبوا {أنما}- في الموضعين- متصلة، وكان من حق الأولى الفصل؛ لأنها موصولة.
وأما قراءة حمزة فاضطربت فيها أقوال الناس وتخاريجهم، حتى أنه نُقل عن ابن أبي حاتم أنها لحن.
قال النحاس: وتابَعَهُ على ذلك جماعة وهذا لا يُلتفت إليه، لتواترها، وفي هنا تخريجها ستة أوجُهٍ:
أحدها: أن يكون فاعل {تحسبن} ضمير النبي صلى الله عليه وسلم و{الذين كفروا} مفعول أول، و{أنما نملي لهم خير} مفعول ثان، ولابُدَّ- على هذا التخريج- من حَذْفِ مضافٍ، إما من الأول، تقديره: ولا تحسبن شأنَ الذين، وإما من الثَّاني، تقديره: أصحاب أن إملاءنا خير لهم.
وإنما احتجْنَا إلى هذا التأويل؛ لأن أنما نملي بتأويل مصدر، والمصدر معنى من المعاني لا يَصْدُقُ على الذين كفروا والمفعول الثاني في هذا البابِ هُوَ الأولُ في المعنى.
الثاني: أن يكون {أنما نملي لهم} بدلًا من {الذين كفروا}. وإلى هذا ذهب الكسائي، والفرّاء، وتبعهما جماعة، منهم الزَّجَّاج والزمخشري، وابنُ الباذش، قال الكسائي والفرّاء: وجه هذه القراءة التكرير والتأكيد، والتقدير: ولا تحسبن الذين كفروا، ولا تحسبن أنما نملي.
قال الفرّاءُ: ومثله: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ الساعة أَن تَأْتِيَهُمْ} [الزخرف: 66] أي {ما ينظرون إلا أن تأتيهم}. انتهى.
ورد بعضهم قولَ الكسائيِّ والفرَاءِ، بأن حَذْفَ المفعولِ الثاني- في هذه الأفعالِ- لا يجوز عند أحد. وهذا الردُّ ليس بشيءٍ؛ لأن الممنوعَ إنما هو حذف الاقتصارِ- وقد تقدم تحقيق ذلك.
وقال ابنُ الباذش: ويكون المفعول الثاني قد حُذِف؛ لدلالة الكلامِ عليه، ويكون التقدير: ولا تحسبن الذين كفروا خَيْريَّةَ إملاءنا لهم ثابتة، أو واقعة.
قال الزمخشريُّ: فإن قلت: كيف صح مَجِيءُ البدلِ، ولم يذكر إلا أحد المفعولين، ولا يجوز الاقتصارُ بفعل الحسبانِ على مفعولٍ واحدٍ؟
قلتُ: صحَّ ذلك من حيثُ إنّ التعويلَ على البدل والمبدل منه في حكم المُنَحَّى، ألا تراك تقول: جَعَلْتُ متاعَك بعضَه فوقَ بَعْضٍ، مع امتناع سكوتك على: متاعك.
وهذا البدلُ بدلُ اشتكالٍ- وهو الظاهرُ- أو يدل كُلٍّ من كُلٍّ، ويكون على حَذْف مضافٍ، تقديره: ولا تحسبن إملاء الذين، فحذف إملاء وأبدل منه: {أنما نملي} قولان مشهوران.
الثالثُ: وهو أغربها-: أن يكون {الذين كفروا} فاعلًا بـ {تحسبن} على تأويل أن تكون التاء في الفعل للتأنيث، كقوله: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المرسلين} [الشعراء: 105] أي: ولا تحسبن القوم الذين كفروا، والذين وضصْف للقوم، كقوله تعالى: {وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ} [الأعراف: 137]. فعلى هذا تتحدد هذه القراءة مع قراءة الغيبة، وتخريجها كتخريجها، ذك ذلك أبو القاسم الكرماني في تفسيره المُسمَّى باللُّباب. وفيه نظر؛ من حيث إن {الذين} جارٍ مَجْرَى جمع المذكر السالم، والجمع المذكر السالم لا يجوز تأنيث فعله- عند البصريين- لا يجوزُ: قامت الزيدون، ولا: تقوم الزيدون. وأما اعتذاره عن ذلك بأن {الذين} صفة للقوم- الجائز تأنيث فِعلهم- وإنما حذف، فلا ينفعه؛ لأن الاعتبارَ إنما هو بالملفوظ لا بالمقدَّر، لا يجيز أحدٌ من البصريين: قامت المسلمون- على إرادة: القوم المسلمون- ألبتة.
وقال أبو الحسن الحوفيُّ: {أن} وما عملت فيه من موضع نصب على البدل، و{الذين} المفعول الأول، والثاني محذوف.
وهو معنى قول الزمخشريَّ المتقدم.
الرابع: أن يكون: {أنما نملي لهم} بدلًا من: {الذين كفروا} بدل اشتمال- أي: إملاءنا- و{خير} بالرفع- خبر مبتدأ محذوف، أي: هو خير لأنفسهم، والجملة هي المفعول الثاني، نقل ذلك أبو شامة عن بعضهم، ثم وقال: قُلْتُ: ومثل هذه القراءة بيت الحماسةِ.
فِينَا الأنَاةُ، وَلبَعْضُ الْقَوْمِ يَحْسَبُنَا ** أَنَّا بِطَاءٌ، وَفِي إبْطَائِنَا سَرَعُ

كذا جاءت الرواية بفتح {أنا} بعد ذكر المفعول الأول، فعلى هذا يجوز أن تقول: حسبت زيدًا أنه قائم، أي: حسبته ذا قيام.
فوجه الفتح أنها وقعت مفعولًا، وهي ما عملت فيه من موضع مفرد، وهو المفعول الثاني لحسبت. انتهى.
وفيما قاله نظرٌ؛ لأن النحاة نصُّوا على وجوب كسر إن إذا وقعت مفعولًا ثانيًا، والأول اسم عين، وأنشدوا البيتَ المذكورَ على ذلك، وعلَّلوا وجوب الكسر بأنا لو فتحنا لكانت في محل مصدر، فيلزم منه الأخبار بالمعنى عن العين.
الخامس: أن يكون {الذين كفروا} مفعولًا به، و{إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ليزدادوا إِثْمًا} في موضع المفعول الثاني، و{أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ} مبتدأ وخبر اعترض به بين مفعولي {تحسبن} ففي الكلام تقديم وتأخير، نُقِل ذلك عن الأخفشِ.
قال أبو حاتم: وسمعتُ الأخفشَ يذكر فتح أن- يحتج به لأهل القَدَر لنه كان منهم- ويجعله على التقديم والتأخير، أي: ولا تحسبنَّ الذين كفروا أنما نثمْلي لهم ليزدادوا إثمًا، إنما نملي لهم إلا ما هو خير لأنفسهم. انتهى.
وإنما جاز أن تكون أن المفتوحة مبتدأ بها أول الكلام؛ لأن مذهبَ الأخفش ذلك، وغيره يمنع ذلك، فإن تقدم خبرها عليها- نحو: ظني أنك منطلق، أو أما التفصيلية، نحو أما أنك منطلق فعندي، جاز ذلك إجماعًا. وقول أبي حاتم: يذكر فتح أن يعني بها التي في قوله: {أنما نملي لهم خير}. ووجه تمسُّك القدرية أن الله تعالى لا يجوز أن يُمْلِي لهم إلا ما هو خير لأنفسهم، لأنه يجب- عندهم- رعاية الأصلح.
السادس: قال المهدويّ: وقال قوم: قدم {الذين كفروا} توكيدًا، ثم حالهم، من قوله: {أنما نملي لهم} ردًا عليهم، والتقديرُ: ولا تحسبن أن إملاءنا للذين كفروا خيرٌ لأنفسهم.
وأما قراءة يحيى- بكسر إنَّما مع الغيبة- فلا تخلو إما أن يُجْعَلَ الفعلُ مسندًا إلى {الذين} أو إلى ضميرٍ غائبٍ، فإن كانت الأولى كانت {أنما} وما في حيِّزها معلقة لـ {تحسبن} وإن لم تكن اللام في خبرها لفظًا، فهي مقدرة، فيكون {إنّما}- بالكسر- في موضع نَصْبٍ؛ لأنها معلقة لفعل الحسبان من نية اللام، ونظير ذلك تعليق أفعال القلوبِ عن المفعولينِ الصريحين- بتقدير لام الابتداء- في قوله [البسيط]:
كَذَاكَ أدَّبتُ حَتَّى صَارَ مِنْ خُلُقِي ** أَنِّي وَجَدْتُ مِلاَكُ الشَّيْمَةِ الأدَبُ

فلولا تقدير اللاتم لوجب نصب ملاك والأدب. وكذلك في الآية لولا تقدير اللام لوجب فتح {إنما}.
ويجوز أن يكون المفعول الأول قد حُذِف- وهو ضمير الأمر والشأنِ- وقد قيل بذلك في البيت، وهو الأحسنُ فيه.
والأصلُ: لا تحسبنه- أي الأمر- و{إنما نملي لهم} في موضع المفعول الثاني، وهي المفسرة للضمير وإن كان الثاني كان {الذين} مفعولًا أول، و{أنما نملي} في موضع المفعول الثاني.
وأما قراءته التي حكاها عنه الزمخشريُّ، فقد خرَّجَها هو، فقال: على معنى: ولا تحسبن الذين كفروا أن إملاءنا لازدياد الإثم- كما يفعلون- وإنما هو ليتوبوا، ويدخلوا في الإيمان، وقوله: {أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ} اعتراض بين الفعل ومعموله، ومعناه: إن إملاءنا خيرٌ لأنفسهم إن عملوا فيه، وعرفوا إنعام الله عليهم، بتفسيح المُدَّةِ، وترك المعاجلةِ بالعقوبة. انتهى.
فعلى هذا يكون {الذين} فاعلًا، و{أنما}- المفتوحة- سادة مسد المفعولين، أحدهما- على الخلاف- واعترض بهذه الجملة بين الفعل ومعموله. قال النَّحَّاسُ: قراءة يحيى بن وَثَّابٍ- بكسر {إن} فيهما جميعًا- حسنة، كما تقول: حسبت عمرًا أبوه خارجٌ.
وأما ما حكاه الزّجّاج- قراءةً- عن خلق كثير، وهو نصب {خير} على الظاهر من كلامه، فقد ذكر نخريجها، على أن {أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ} بدل من {الذين كفروا} و{خيرًا} مفعول ثانٍ، ولابد من إيراد نَصِّه، قال- رحمه الله-: مَنْ قرأ: {ولا يحسبن} بالياء، لم يَجُزْ عند البصريين إلا كسر إن والمعنى: لا يجسبن الذين كفروا إملاءنا خير لهم، ودخلت إن مؤكِّدةً، فإذا فتحت صار المعنى: وزلا يبسحبن الذين كفروا إملاءنا خير لهم، قال: وهو عندي يجوز في هذا الموضع على البدل من الذين والمعنى: ولا يحسبن إملاءنا للذين كفروا خيرًا لهم، وقد قرأ بها خلقٌ كثير، ومثل هذه القراءة من الشعر قول الشاعر: [الطويل]
فَمَا كَانَ قَيْسٌ هُلْكَ وَاحِدٍ ** وَلَكِنَّهُ بُنْيَانُ قَوْمٍ تَهَدَّمَا

جعل هلكه بدلًا من قيس والمعنى: فما كان هلك قيس هلك واحدٍ. اهـ.
يعني: هلك- الأول- بدل من المرفوع، فبقي هلك واحد منصوبًا، خبرًا لما كان كذلك: {أنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ} أن واسمها- وهي ما الموصولة- وصلتها، والخبر- وهو {لَهُم} في محل نصب، بدلًا من {الَّذِينَ كَفَرُوا} فبقي {خَيْرًا منصوبًا} على أنه مفعول ثانٍ لـ {تحْسَبَنَّ}. إلا أن الفارسي قد رد هذا على أبي إسحاقَ بان هذه القراءة لم يقرأ بها أحد- أعني نصب {خَيْرًا}- قال أبو علي الفارسي: لا يصح البدل، إلا بنصب خَيْرٌ من حيثُ كان المفعول الثاني لحسبت فكما انتصب هلكَ واحدٍ في البيت- لما أبدل الأول من قيس- بأنه خبر لكان كذلك ينتصب {خَيْرٌ لَهُمْ} إذا أُبْدِل الاملاء من {الَّذِينَ كَفَرُوا} بأنه مفعول ثانٍ لـ {تَحْسَبَنَّ}.
قال: وسألت أحمد بن مُوسَى عنها، فزعم أن أحدًا لم يقرأ بها يعني بأحمد هذا أبا بكر بن مجاهد الإمام المشهور، وقال- في الحجة-: {الَّذِينَ كَفَرُوا} في موضع نصب؛ بأنها المفعول الأول، والمفعول الثاني هو الأول- في هذا الباب- في المعنى، فلا يجوزُ- إذَنْ- فتح إن في قوله: {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ} لأن إملاءهم لا يكون إياهم. فإن قُلْتَ: لِمَ لا يجوز الفتح في أن وجعلها بدلًا من {الَّذِينَ كَفَرُوا} كقوله تعالى: {وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشيطان أَنْ أَذْكُرَهُ} [الكهف: 63] وكما كان أن من قوله تعالى: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ الله إِحْدَى الطائفتين أَنَّهَا لَكُمْ} [الأنفال: 7]؟